عقول لا يطفئها إلا الموت

(وصف الموضوع)

في ظل الأوهام التي يعيشها النّاس مصدّقين مستسلمين لمن خدعهم أن العقل محدود القدرات، فإذا بلغ حدّه لم يكن له في الزّيادة أمل، أهدي لهم هذا المقال مبرهنًا أن الاحتجاج بمثل ذلك إنما هو ضرب من خبال، وأن من أراد شيئا وكان به مهووسا وله ساعيا وبه متأمّلًا ناله ولو بعد حين وكان عقله له عونا على ذلك

ما هو الAuthintication؟

أعطِني ما يُشغِل عقلي

راج وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا ما يسمونه بتحدي صيام الدوبامين، وهو أن يظل الواحد منهم جالسا على حاله دون حراك أو حديث، في سكون تام متجنّبًا التفكير حتى إن أمكن، زعما منهم أن ذلك يؤدي إلى التّعطّش لأي نشاط فترتفع بذلك كفاءتهم ليعوّضوا عن الأضرار التي تسببت لهم بها التكنلوجيا الشيطانية، ولكن الظريف المضحك أن ذلك التحدي يكون مصوّرا حتى يتمكنوا من رفعه على مواقع التواصل الاجتماعي بعد فراغهم منه في تلهّف إلى التفاعل والإعجابات، فكان نصيبهم من ذلك التحدي إن كان له فائدة حقا، هو ضياع الوقت وخداع الذات والكذب على الناس بتجربة غير مكتملة، بل متناقضة في تطبيقها وزعم فائدة لم يشعروا بها حقيقة، فدعك من ترّهات المراهقين، واتركني أقص عليك من أخبار المفكّرين

في المجموعة القصصية البوليسية الشهيرة بل الأشهر على الإطلاق “شارلوك هولمز” للمؤلف الطبيب آرثر كونان دويل، كان لطباع شارلوك هولمز وعاداته الغريبة ما يثير استغراب القارئ لا سيما أنه يشعر بالمشهد كما يشعر به راوي القصة وصديق هولمز وزميل سكنه “د. واتسون”، وكان من ذلك أنه كان يتألّم ويشتكي إن لم يجد ما يهلك فيه طاقة عقله، فكان د. واتسون يقول وأقتبس كلامه:

“لا شيء يفوق نشاطه عندما يعمل، ولكنه بين الحين والآخر يتعرّض لنوبات من الاكتئاب فيظلّ لأيّام مستلقيا على الأريكة في غرفة المعيشة، بالكاد يلفظ كلمة أو يحرّك إصبعا من الصّباح إلى المساء، عندما تنتابه هذه الحالة تكون نظراته حالمة ويظل غير مكترث بشيء إلى درجة كانت تدعوني للشك في تعاطيه بعض المواد المخدّرة، إلا أن سلوكه المنضبط وامتناعه عن شرب الخمور طوال حياته منعني من التفكير في هذا الأمر”
- دراسة في اللون القرمزي (1887)

وكان ذلك حاله على الدّوام في حال لم يكن لديه ما يثير فضوله ويحرك له ركود أفكاره، وكان إذا وضل لهذا الحالة بدأ في استعمال المخدّرات كي يعوّض عقله عن نقص ما يسعد به ألا وهو القضايا والألغاز فكان يتعاطى الكوكايين وكان ذلك مما يثير استغرابه لأن هولمز ليس حتى ممن يعاقرون الخمر، وقد ذُكِرَ ذلك في مقدمة إحدى رواياته إذ كان أول ما بدأ به القصة هو:

“التقط شيرلوك هولمز زجاجته من فوق زاوية رفِّ الِمدفأة، وحُقنته من داخل غلافها الأنيق المصنوع من جلد الماعز. وبأصابعه البيضاء الطويلة المتوتِّرة ضبط سنَّ الحقنة الرفيع وشمَّر كُمَّ قميصه الأيسر. لوهلةٍ تأمَّل ساعده ورُسغه القوِيَّين اللَّذين تُغطيهما علامات وندوب حُقَن لا تُعدُّ ولا تُحصى. وأخيرًا، غرَس سنَّ الحقنة في مكانه، وضغط على مكبسها الصغير، ثم استرخى في مقعده المكسو بالمخمل وتنهَّد تنهيدةَ ارتياحٍ طويلة.”
Subcutaneously, my dear Watson : Sherlock Holmes and the cocaine habit Paperback – 15 June 1978 by Jack Tracy (Author), Jim Berkey (Author), Cover & interior illustrations by Paul M. McCall (Illustrator)

ثم أتبعه شرحا للمشهد على لسان د. واتسون إذ قال في وصف تكرار هذا الفعل:

“لشهورٍ عدة، شهدتُ هذا المشهد يحدُث ثلاثَ مرَّات يوميٍّا، ولكنَّ تكراره لم يجعل عقلي يتقبله بأيِّ شكلٍ من الأشكال، بل على العكس، كان استيائي من المنظر يزداد يومًا بعد يوم، وظلَّ ضميري يُؤرِّقني كلَّ ليلة عندما تُراودني فكرة أنني لا أملك الشجاعة الكافية لأبُدي اعتراضي. أقسمتُ مرارًا وتكرارًا أن أعُبِّر عن رأيي في هذا الأمر، ولكن أسلوب رفيقي كان به من البرود واللامبالاة ما يجعله آخِرَ من تُريد الحديث معه بِحُريَّة بشأن أي أمرٍ شخصي؛ فالقدرات العظيمة التي يتمتَّع بها، وأسلوبه البارع ومعرفتي بصفاته الكثيرة الاستثنائية، كلها جعلتني أهابُ وأتراجع عن فِعل ما يُضايقه”
Subcutaneously, my dear Watson : Sherlock Holmes and the cocaine habit Paperback – 15 June 1978 by Jack Tracy (Author), Jim Berkey (Author), Cover & interior illustrations by Paul M. McCall (Illustrator)
“لكن في عصر ذلك اليوم، وربما من أثَرِ النبيذ الفرنسيالفاخر الذي تناولتُه مع الغداء أو حنَقي الزائد الذي أثاره أسلوبه الشديد التروِّي، شعرتُ فجأةً أنَّني لا أستطيع أن أكتُم الأمر بداخلي أكثر من ذلك. سألته أي نوعٍ اليوم؟ مورفين، أم كوكايين رفع عينَيه بوهَنٍ عن المُجلَّد القديم المكتوب بأحرفٍسوداء الذي كان قد فتحه، وأجاب: إنه كوكايين؛ محلول تركيزه سبعة بالمائة. هل تودُّ تجربته، بالطبع لا، فجسدي لم يَتعافَ بعدُ من آثار الحملة الأفغانية. ولا أستطيع أن أحُمِّله أي جهد إضافي قابل حدّتي بابتسامة وقال تكون مُحقٍّا يا واطسون. أعتقد أن تأثيره على الجسم سيئ. ولكني أجده مُحفِّزًا جدٍّا ومفتِّحًا للعقل لدرجةٍ تجعل من آثاره الجانبية أمرًا ثانويٍّا قلت بجدية لكن فكِّر في الأمر! احسب التكلفة! قد يُثير عقلك ويُحمِّسه كما تقول، لكنك تدفع مُقابل ذلك من عافيتك؛ فهو يتسبَّب في تغيُّرٍ زائد في الأنسجة وقد يُسبِّب فيما بعدُ ضعفًا مستديمًا. وأنت تعلم أيضًا كيف يجعلك مُتجهِّمًا. الأمر لا يستحقُّ العناء بالتأكيد. فلماذا تُغامر بفقدان قُدراتك العظيمة التي مُنحتَ إيَّاها مقابل مجرَّد لذَّةٍ عابرة؟ تذكَّر أني لا أحُدِّثك باعتباري فقط صديقك ولكن باعتباري طبيبًا مسئولًا عن صحتك بشكلٍ أو بآخَر”

ثم ختم كلامه بقوله:

“لم يبدُ أنه شعَرَ بالإهانة ممَّا قلت. بل على العكس، لامس أطراف أصابع يدَيه معًا وأسند مرفقَيه على ذراعَي كرسيِّه كمن يتُوق إلى الحديث وقال: إن عقلي يثُور على الركود. أعطِني مُشكلات، أعطِني ما يشغَل عقلي، أعطِني أعقَدَ الشفرات لأحَُلَّها أو أصعبَ التحليلات، وسأكون في وضعي الطبيعي. حِينها يمكنني التخلِّي عن المُحفِّزات الاصطناعية. ولكنِّي أمقتُ رُوتين الحياة الطبيعية المُملَّ، وأتُوق إلى النشاط الذهني؛ ولهذا اخترتُ هذه المهنة على وجه التحديد، أو بالأصحِّ ابتكرتُها، فأنا الوحيد في العالم الذي يَمتهِنُها”
- علامة الأربعة (1890)


وجب التوضيح هنا أن الكوكايين كان مازال مسموحا به في تلك الحقبة ولذلك ذكره المؤلف آرثر وجعلها إحدى عادات شخصيّته الرئيسية قبل أن يجبره على الإقلاع عنها تدريجيا حتى جعله يكتفي بالقهوة والتبغ ويستعيض بهما عنه

أبو تمّام صاحب ديوان الحماسة

ولعل ذكري لشخصية خيالية لا يثبت فرضيّتي ولا يثبت شيئا أو ينفيه حتّى فدعني أقص عليك قصة أخرى لأبي تمّام صاحب ديوان الحماسة،

وذلك مما رواه ابن رشيق القيرواني في كتابه “العمدة في محاسن الشعر وآدابه” وذكره “يوسف البديعي” في كتابه “الصبح المنبي عن حيثية المتنبي”، وهي قصة أبي تمام عند امتداحه أحمد بن المعتصم بقصيدته التي مطلعها:

مَا في وُقُوفِكَ سَاعَةً مِنْ بَاسِ … تَقْضِي ذِمامَ الأَرْبُعِ الأَدْرَاسِ

فَلَعَلَّ عَيْنَكَ أنْ تُعِينَ بِمَائِهَا … وَالدَّمْعُ مِنهُ خَاذِلٌ وَمْوَاسِي

والناس يروون هذا – أن تعين بمائها – وهو تصحيف، فلما قال:

أَبْليَتَ هذَا المَجْدَ أَبْعَدَ غَايَةٍ … فِيهِ وَأَكرَمَ شِيمةٍ ونِحَاسِ

إِقْدَامَ عَمْروٍ في سَماحَةِ حَاتِمٍ … في حِلْمِ أَحْنَفَ في ذَكَاءِ إِيَاسِ

ديوان الحماسة لأبي تمام

فقال له القاضي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي المعروف بفيلسوف العرب إذ كان حاضراً حينها وأراد الطعن عليه: الأمير فوق من وصفت ولم تزد على أن شبهته بأجلاف العرب، فمن هؤلاء الذين ذكرتهم؟ وما قدرهم؟!

فأطرق أبو تمام قليلاً، ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه … مثلا شَرُوداً في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره … مثلا من المشكاة والنبراس

 

فعجبوا من سرعته وفطنته إذ لم يكن ذلك من القصيدة إنّما قاله ارجالا

فقال الوزير الكندي لما خرج أبو تمام: “هذا الفتى يموت شابا، لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده”

فكان كذلك إذ ما لبث بعدها إلا عامين أو نحومها ثم مات رحمه الله وكان ما يزال شابا حين إذ. وقد وردت هذه القصة باختلافات يسيرة ووما ذكرت فيه أيضا كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أحمد شوقي

ولعلي أختم بذكر حال أمير الشّعراء أحمد شوقي رحمه الله وغفر له

أحمد شوقي

إذ لو تتبّعت آثاره لوقت على ما رواه عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب إذ كان يحكي عن شوقي، أنه إذا ما جاءه الإلهام بالشعر، وجدته يهيم في الطريق ذهابا وإيابا، فإذا علم ما يكتب، وطرب قلبه لما أتاه، ورقص قلمه كاتبا بحروف حبرها ماء الذهب، رخل مطعما وطلب من النادل أن يأتيه ب4 بيضات وكوب للشرب بأي طريقة كانت، فإذا ما أتاه بها قام فكسرها وهي نيئة على حالها وأفرغها في الكوب شربها وكان ذلك طبعا فيه، فسأله صاحبه ما الداعي وما السبب، فأجابه بقوله “لفسفور يا محمد، الفسفور ضروري فأنا في حركتي للشعر وكتابته حرقت فسفورا أحاول تعويضه”

فكان يهلك عقله حقيقة لا مجازا وليس ذلك بخفي على أولي الألباب والنهى من قرأوا دواوينه ورأوا جوهر كتابته وحقيقة قصائده

المصادر: