أنام فأصحوا شاعرا خنذيذا

(وصف الموضوع)

الموهبة حاكمة، والسعي ثانوي، والعجز حقيقة لا تُنكر

ما هو الAuthintication؟

الشاعر يولد شاعرا

حدّثني أحد قرابتي وكنت سألته عن الشعر بصفته شاعرا، عن سبل تعلّمه، عن حفظ قصائده، عن علم عروضه وقافيته، وعن جده وهزله ومدحه ورثائه، ساءلته عن علاج شح المفردات واختلاط اللغة بكل أنواع المفسدات، عن تحولها من لغة شديدة رقيقة للغة عرنجية ركيكة اشبه ما تكون بلغة الجرائد المذمومة الممسوخة أو حتى دونها، فكانت شكاية ألبست رداء السؤال، وكان صاحبي هذا فيما أعلمه قديما قبل نشر قصائده شابا لا يعبأ بالشعر والشعراء، فضلا عن أن يهتم بتحصيل علمي حقيقي لأي فن من فنون الشعر واللغة، وكان ذلك ما أصبوا إلى معرفة سره، وسبر غوره، فكيف تأتّى له أن يتحول هذا التحول، من إنسان…. إلى شاعر؟ كيف حاز هذه القوة واسطاع التزين بحلي البلاغة والبيان؟ فأجابني موجِزا “الشاعر يولد شاعرا”

 

هزت هذه الكلمة كياني ومكثت أياما وليالي لا يغمض لي جفن، ولا يطيب لي مأكل، ولا يهنأ لي بال، وشغلي الشاغل هو “كيف يعقل أن يولد الشاعر شاعرا؟” هل عنى بذلك حيازة المشاعر؟ أم القدرة على الإفصاح عنها؟ أم صياغة تراكيبها وحفظ قافيتها؟ أم هل كان قوله ذلك معابثة لي وأنني لم أدرك كنهها؟ أم أنها كانت إجابته الحقيقة؟

 

أيعقل أن يحوز المرء علما دون ان يسعى في طلبه؟ دون أن يعاني لنيله؟ كيف يعقل؟ وكيف تطلب مني تصديق ذلك وأنا رجل لما يعط موهبة قط، بل لم يع معنى هذه الكلمة إلا بعد أن بلغ من العمر ما بلغ، فلم يصب شيئا إلا بطول السهر، وإمعان النظر، وهجر الفرش والسرر، وكان شعاري في ذلك أن النعيم لا يأتي دون أن تنزف روحك في سبيل إدراكه، فكيف يأتيك دون أن تعطيه عمرك وتدفع مقابله كدك وأرقك وعناءك، ولازلت على هذه الحال لم يتغيّر فيّ شيئ، ولا رجوت مجدا إلا ودببت في طلبه وركبت الأهوال في ابتغائه، فكيف تطلب مني أنا – صاحب هذه المعاناة – أن أصدّق ال”موهبة”؟ أتهزؤ بي؟

 

فمكثت ما شاء الله لي أن أمكث، ثم عدت إليه معيدا السؤال نفسه، فلم يزدني عن إجابته الأولى شيئا، فألححت عليه تارة بعد تارة، وقصصت عليه ما فعلته مذ حدّثته آخر مرة، فعرضت له الدواوين التي عانيت مشقة حفظها على اختلاف أحاول شعرائها، وتنوع طبيعة حياتهم وطرقهم في التعبير عن مشاعرهم، سواء كانو من أهل البادية أو الحاضرة، من الجاهليين أو الأمويين، أو العباسيين والأندلسيين، حتى أعلمته أنني جاوزت ذلك إلى حفظ أسماءهم وتتبع أنسابهم والإلمام بسيرهم والبحث في طرق هلاكهم، فنغّض رأسه ورمّز حاجبه حتى خشيت ان أكون اثقلت عليه بالسؤال، أو أن يكون حمل كلامي على السخرية والاستهزاء كأنما أفاخره بما صنعت، بيد أنّيَ لم أقصد إلا أرواء الفضول، والسؤال عن ما حارت فيه العقول، فأطرق قليلا ثم أعادها لي الثالثة، “الشاعر يولد شاعرا، إن كنت حاولت حقا ولم تسطع، فظني أنك لم تولد كذلك”

 

خالجتني كلماته، ومارت بعقلي مقالته، فكأنما ضربني أو لو كان فعل لكان أهون، فلازلت أمعن في كلامه النظر حتى مرت السنين تلو السنين، وأظنني الآن بالكاد أفهم المعنى الكامن وراء كلماته، وما كانت كتابتي لهذا المقال إلا بسبب ملاحقة هذه الكلمة لي، أفر منها فتتبعني حتى ظننت أن لا شيء يخلّصني منها سوى الموت، ولا أعلم سبب إصرارها على تأريق مضجعي الذي ما كدت أستريح فيه حتى أذكرها، فلا أعلم من منا يلاحق الآخر، حتى بلغ الأمر مبلغه قبل أيام بينا كنت أستمع إلى لقاء مسجل لأحد الشاعرات السوريات تقول فيه: “أنا لست كثيرة القراءة في الشعر، يعني عادة أنا بنام وبصحى بلاقي الشعر عندي تطور”

 

الله المستعان، وكذب القائلون أن من جدّ وجد، فها أنا ذا أنحت في الصخر وأنام وأصحوا في طريق السعي دون أن أصل أو أوشك، فما أبعدك عني يا أمانيّ، ويا قبح ما أرزى به علي الأمل، ولا أقول ذلك حسدا رغم ما يبدوا عليه، ولكن هذه مشيئة الله أن لا تتساوى قوى الخلق وقدراتهم، فيعجز المرء عن فعل يراه غيره يسيرا هينا، وهو في عينه عظيم لا يستطاع، فوالله لولا الله لجننا، فالحمد لله السميع البصير العالم بأحوالنا المطّلع على آلامنا، وعزائي أن قلم الملك عن يميني لا ينفد مداده ولا تشرد أفكاره، علّنا إن لم نصب الدنيا أن نصيب الآخرة، فسامح الله من أخفى عنا حقيقة الدنيا، وأوهمنا بما ليس فيها

 

ولازلت مع استسلامي لحقائق الأمور أطرح نفس السؤال، أو ربما أسرفت في طرحه وإعمال العقل فيه حتى لم أعد أتبيّن أهو سؤال أم أسئلة، فهل يوجد إنسان خلى من الموهبة؟ لم يبلغ شيئا إلا بلعق الصّبِر وكسر الحديد وحمل الجبال؟ هل لنا في هذه الدنيا أمل أن نبلغ الغاية؟ أن نعيش في غير حسرة وعجز؟ وضعف وخور؟ أم أن ذلك محصور على أولي الملَكات، أصحاب الموهبة والقدرات؟ والسؤال الأهم الذي أجد خلاصي في إجابته، هل يوجد باستثنائي أحد انعدم الموهبة؟ فالمرء إن وجد أنيسا يسلوا معه تناسى همّه أو شيئا منه، وعلم أنه إن كان عاجزا فهو ليس وحيدا، وأن سعي غيره دافع له على إكمال المسير حتى نبلغ المدى أو نهلك دونه، فهل يكون لي ذلك؟ أم هل خلّفت في هذه الدنيا وحيدا على هذا الحال، فإني دأبت على البحث فلم أجد، فهل من أحد؟ أم أنهم هلكوا كمدا لشدة ما وجدوا؟ أم أنهم أحياء بين الناس أموات؟

 

ولعلّي أقص عليك بعض ما لاقيت جراء هذا، فحين أسترجع اهتماماتي السالفة في حياتي أجدني لم أستقر على أمر واحد قط، فتارة تراني أدعي الحرفة في الكتابة…. ثم أنتقل، فتجدني أدعي الحس الفني الابداعي، فأرسم وألون وأصمم وأصوّر. ثم أبصر عجزي واضحا فيهم، فأعود بخفّي حنين، ثم أدعي الموهبة في قول الحكايا والقصص، فأفشل وأخيب، ثم أحاول الاندماج في المجتمع باعتباري صاحب فراسة لا تخدعه المظاهر ولا يطربه التملّق ثم أدرك أنني أعجز عن ذلك من أي شيء آخر، فأنصرف منه إلى ادعاء العلم بالتاريخ والأدب، ثم الشعر، ثم البرمجة وكما أسلفت لا أظنني نجحت في أحدها، بل أن الفشل تلو الفشل أورثني بلادة ما عهدتها، فصرت آلف الخيبة، وأترقّبها في كل مشهد، وأحن إليها كلما اقتربت من النجاح رغم أني أعلم أني لا محالة إليها راجع

 

فبعد كل هذه السنين، وبعد رؤيتي أصحاب المواهب الحقّة، فإني أجزم جزما أني ما علمت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من هذا الأمر، وهي ان الموهبة حاكمة، وأن الساعي إنما هو رجل عطّلته موهبته، فلو سابق رجلا ذا موهبة أقل منه في همّته وأقل منه في سنين طلبه، لسُبق وغلب، بل لتضعضع وتهشّم، فالموهبة غالبة، يهبها الله لمن يشاء من عباده ويرفعها عمن يشاء بحكمته سبحانه

 

فتسل بالصبر وتعز به، وأكمل السعي مدركا لذلك محيطا بمصاعبه وعوائقه، عالما أن سعيك نتيجة عجزك لا علو همتك، وأن الفوز بالسباق يكون للأعلى موهبة لا للمجتهد فيه، ولا تنخدع بحكايا “الأرنب والسلحفاة” فإنما هي من وحي الخيال ولعلها تكون من نسج رجل عديم الموهبة مثلك، فلا تكونن واهما مثله فتكون منعدم الموهبة أعمى البصيرة منزوع الحكمة كاذبا مخادعا، فلا شيء أفجع للمرء من أمل كاذب فأوصيك بوصيّة أبي فراس حين قال:

أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلد
جل المصاب عن التعنيف والفند

فابك على حالك ونح، وأقر بضعفك وعجزك وقلة حيلتك، وأيقين أن الفشل لا محالة واقع وإن تباعدت بينك وبينه المسافات، وسوف تعلمون